ابن كثير
228
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
قالوا : لأنك تغشانا وتأتينا ، فقلت : إني آتيكم فأعجب من القرآن كيف يصدق التوراة ومن التوراة كيف تصدق القرآن ، قال : ومر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقالوا : يا ابن الخطاب ، ذاك صاحبكم فالحق به ، قال : فقلت لهم عند ذلك : نشدتكم باللّه الذي لا إله إلا هو ، وما استرعاكم من حقه ، وما استودعكم من كتابه ، هل تعلمون أنه رسول اللّه ؟ قال : فسكتوا ، فقال عالمهم وكبيرهم : إنه قد عظم عليكم فأجيبوه ، قالوا : فأنت عالمنا وكبيرنا فأجبه أنت ، قال : أما إذا نشدتنا بما نشدتنا ، فإنا نعلم أنه رسول اللّه ، قلت : ويحكم إذا هلكتم ، قالوا : إنا لم نهلك ، قلت : كيف ذلك وأنتم تعلمون أنه رسول اللّه ولا تتبعونه ولا تصدقونه ؟ قالوا : إن لنا عدوا من الملائكة وسلما من الملائكة ، وأنه قرن بنبوته عدونا من الملائكة ، قلت : ومن عدوكم ، ومن سلمكم ؟ قالوا : عدونا جبريل ، وسلمنا ميكائيل ، قالوا : إن جبرائيل ملك الفظاظة والغلظة والإعسار والتشديد والعذاب ونحو هذا ، وإن ميكائيل ملك الرحمة والرأفة والتخفيف ونحو هذا ، قال : قلت : وما منزلتهما من ربهما عز وجل ؟ قالوا : أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره ، قال : فقلت : فوالذي لا إله إلا هو إنهما والذي بينهما لعدو لمن عاداهما ، وسلّم لمن سالمهما ، وما ينبغي لجبرائيل أن يسالم عدو ميكائيل ، وما ينبغي لميكائيل أن يسالم عدو جبرائيل ، قال : ثم قمت فأتبعت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلحقته وهو خارج من خوخة « 1 » لبني فلان ، فقال : « يا ابن الخطاب ألا أقرئك آيات نزلن قبل » فقرأ عليّ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ حتى قرأ الآيات ، قال : قلت : بأبي وأمي أنت يا رسول اللّه ، والذي بعثك بالحق لقد جئت أنا أريد أن أخبرك وأنا أسمع اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو أسامة عن مجالد ، أنبأنا عامر ، قال : انطلق عمر بن الخطاب إلى اليهود ، فقال : أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجدون محمدا في كتبكم ؟ قالوا : نعم ، قال : فما يمنعكم أن تتبعوه ؟ قال : إن اللّه لم يبعث رسولا إلا جعل له من الملائكة كفلا وإن جبرائيل كفل محمدا وهو الذي يأتيه ، وهو عدونا من الملائكة ، وميكائيل سلمنا لو كان ميكائيل الذي يأتيه أسلمنا ، قال : فإني أنشدكم باللّه الذي أنزل التوراة على موسى ما منزلتهما عند اللّه تعالى ؟ قالوا : جبريل عن يمينه ، وميكائيل عن شماله ، قال عمر : وإني أشهد ما ينزلان إلا بإذن اللّه ، وما كان ميكائيل ليسالم عدو جبرائيل ، وما كان جبرائيل ليسالم عدو ميكائيل ، فبينما هو عندهم إذ مر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقالوا : هذا صاحبك يا ابن الخطاب ، فقام إليه عمر فأتاه ، وقد أنزل اللّه عز وجل : مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ وهذان الإسنادان يدلان على أن الشعبي حدث به عن عمر ، ولكن فيه انقطاع بينه وبين عمر فإنه لم يدرك زمانه ، واللّه أعلم .
--> ( 1 ) في الطبري : مخرفة لبني فلان » . والمخرفة : البستان . والخوخة : باب صغير وسط باب كبير نصب حاجزا بين دارين ، ومخترق ما بين كل دارين .